من الحجر إلى القلم
 
صوَرٌ على جُدران الكهوف.. نُقوشٌ على ألواحٍ حجريّةٍ وأخرى طينيّةٍ.. مخطوطاتٌ.. وثائقٌ .. كُتُبٌ..
إنَّها سجلُّ الحضاراتِ والشّعوبِ، ولكنْ... ما الّذي استخدمَه الإنسانُ للنّقشِ والتّصويرِ والتّخطيطِ ومن ثمَّ الكتابة؟؟
عندما أدركَ الإنسانُ البِدائيُّ في كهفِه الصّغيرِ أنَّه بحاجةٍ للتّعبير عنْ حياته البسيطةِ، بدأ يبحثُ عن طريقة، فأرشدَتْه فِطْرتُه أنْ يغمسَ إصبعَه ببعضِ دمِ الحيْوانِ أو بصبغٍ مستخرَجٍ منَ النّباتات, ثمَّ يرسم ما يشاء من صورٍ تُمثِّل إشاراتٍ ورموزاً لها كثيرٌ مِنَ الدّلالات، ولكنَّه اكتشفَ معَ مرورِ الأيّامِ أنَّ تلكَ الصّوَرَ قد تزولُ بفعلِ عاملٍ ما، فما العملُ إذَن ؟؟
فكّرَ في الطّبيعة ثانيةً فوجدَ حجرَ صوّانٍ، أخذَه، تأمّله، ثُمَّ عملَ على سَنِّهِ؛ ليصبحَ شبيهاً بالقلمِ, فقامَ بالنّقشِ والنّحتِ والتّصويرِ، وهذا ما عُرف لاحقاً باسم ِالكتابةِ التّصويريّةِ. ولكنَّها عمليّةٌ مضْنيةٌ وشاقّةٌ، فهل مِنْ طريقةٍ أخرى تخلِّصُه مِنْ صلابةِ تلكَ الحجارة؟
نعم.. هناكَ طريقةٌ أخرى، إنَّها الألواحُ الطّينيّةُ، فالنّقشُ عليها سهلٌ جدّاً وذلكَ بعودٍ من خشبِ الأشجارِ، ثُمَّ تعريضُها لأشعّة الشّمس الذّهبيّة، أو وضعُها في أفرانٍ خاصّةٍ حتّى تجِفَّ بفعلِ الحرارة، طريقةٌ لا بأسَ بها، وهي الّتي استخدمَها أجدادُنا السّومريّونَ في مُنتصف الألفِ الرّابعِ قبلَ الميلاد، والّتي عُرِفَت فيما بعدُ باسمِ الخطوطِ المسماريّة.
وقدْ عُرِف عنِ الفراعنةِ أنَّهم كتبوا على الأحجارِ بأقلامٍ مصنوعةٍ من النُّحاسِ, ونقشوا بواسطته أدقَّ الصّوَرِ وأجملَها، فكانَت سِجِلَّ حضارتِهم بأكملِها.
ومعَ اختراعِ ورقِ البُرْديِّ بدأَ الإنسانُ يكتبُ بقلمٍ من القصبِ يجمعُه من ضفافِ الأنهارِ, ويقوم بغمسِه ببعض ِأنواعِ الأحبارِ، ويُقالُ إنَّه قدْ عُثِر في بعض أعمال التّنقيب عن الآثار على قلمِ حبرٍ بدائيٍّ في مقبرةٍ مصريّةٍ قديمةٍ تعودُ لسنةِ 4000 ق م، وكانَ عبارةً عن قصبةٍ مجوّفةٍ يُعبَّأُ الحبرُ داخلَها، وظلَّت هذه الطّريقةُ مستخدمةً لفترة طويلة.
ففي الجاهليّةِ استخدمَ العربُ هذا النّوعَ من القلم، وفي بعضِ الأحيانِ كانوا يستخدمونَ قطعاً مِنَ الطّبشورِ أو الفحمِ الّتي تتركُ أثراً على ما يُكتَبُ عليه، كذلك استخدموا أدواتٍ حادّةٍ كالسّكّينِ لنقشِ الكتابةِ على الموادِ الصُّلبة.
وفي العصورِ الوُسطى استخدمَ الإنسان ريشَ الطّيورِ ( كريشِ الإِوزِّ أو البجعِ أو الغرابِ) وظلَّت الرّيشةُ الأداةَ الأكثَر استخداماً وذلك لفترة لا بأسَ بها مِنَ الزّمنِ .
يُقالُ إنَّ العلّامةَ الكيميائيَّ العربيَّ جابرَ بنَ حيّانَ هو صاحبُ فكرةِ اختراعِ قلمِ الحبرِ ذي الخزّانِ، ولعلَّه يشبِهُ الّذي وُجِدَ في مِصرَ, ولكنْ لضَعفِ الإمكاناتِ لم يحظَ اختراعُه بالنّجاحِ. ولكنَّ موهبة َالإنسانِ العربيِّ لم تقفْ عند تلك الحدودِ، فظلَّ يبحثُ عنْ كُلِّ شيءٍ جديد؛ فقدْ وردَ في بطونِ بعضِ الكتبِ أنَّ عبّاسَ بنَ فِرناسَ هو أوّلُ مَنِ اخترعَ قلمَ الحبرِ ذي الخزّانِ, وكانَ عبارةً عنْ آلةٍ اسطوانيّةِ الشّكلِ تُستخدم للكتابةِ وتُغذّى بالحبرِ، ويمْكنُه حملُه معه أينما حلَّ وسارَ ويأخذُه معَه في بعضِ الأسفارِ.
ولكنَّ مشاكلَ التّلطيخِ والتّبقيعِ الّتي كانَ يسبِّبُها حبرُ هذا القلمِ كانَت تعيقُ كثيراً من الأمورِ وهذا ما عانى منه الخليفةُ المُعِزُّ لدينِ الله الفاطميُّ في القرنِ العاشرِ الميلاديِّ, فحدثَ ذاتَ يومٍ أنَّ هذا الخليفةَ قدْ سئِمَ من مشاكلِ هذا القلمِ، وأرادَ أنْ يجدَ حلّاً جذريّاً، فإذا به ينادي:
( أيُّها القاضي نُعمانُ ، نريدُ أنْ نعملَ قلماً يُكتَبُ به بلا استمدادٍ مِنْ دواةٍ، يكونُ مدادُه مِنْ داخلِه فمتى شاءَ الإنسانُ كتبَ به فأمدَّه، ومتى شاءَ تركَه.. وكانَ القلمُ ناشفاً فمَنْ جعلَه في كمِّه أو حيثُ شاءَ فلا يؤثّرُ فيها، ولا يرشحُ مِنَ المِدادِ، فيكونُ آلةً عجيبةً، لم نعلمْ أنَّ أحداً سبقَنا إليها )
قالَ القاضي : يكونُ هذا يا مولاي ، عليكَ سلامُ الله.
الخليفةُ : يكونُ، إنْ شاءَ اللهُ.
بعدَ أيّامٍ قليلةٍ أتى الرّجلُ ومعَه قلمٌ مِنْ ذهبٍ قدَّمَه للخليفةِ فكانَ له فضلُ الاختراعِ الّذي نعرِفُه اليومَ .
ولكنَّ التّاريخَ قدْ يعيدُ نفسَه، فيبدو أن هذا الاختراعَ لم يصلْ للغربِ، شأنُه كغيرِه مِنَ الاختراعاتِ الّتي كانَ للعربِ فضلُ السّبْقِ فيها والشّهرةِ لغيرِهم!
فهذا صاحبُ القلمِ الشّهيرِ (( لويس أديسون ووترمان )) وفي القرنِ التّاسعَ عشرَ الميلاديِّ يقُالُ إنَّه أوّلُ مَنِ اخترعَ قلمَ الحبرِ بشكلِه المعروفِ الآنَ!! فهل هذا صحيحٌ ؟
لقد كانَ ووترمان يبيعُ عقودَ التّأمين، وكانَ يستخدمُ قلماً مؤلَّفاً من ريشةٍ هشّةٍ، لها سِنٌّ مِنْ مادّة ٍصُلبةٍ، يغمِسُه بالحبرِ، ومِنْ ثمَّ يكتبُ به!
وفي يومٍ من الأيّام أتى أحدُ العملاء إليه؛ ليوقِّعَ عقداً مهمّاً جدّاً، وعندما أمسكَ بالقلمِ هذا فإذا ببقعةِ حبرٍ تطمُسُ الوثيقةَ، فارتسمَ الغضبُ على وجه الرّجل، ولم يكنْ غضبُ ووترمان بأقلَّ مِنْ غضبِه؛ لأنَّه خسرَ مالاً كثيراً .
ذلكَ ما دفعَه لأنْ يفكِّرَ في حلٍّ يخلِّصُه من تلكَ الورطات الّتي ربّما قدْ وقعَ فيها أكثرَ من مرّةٍ ويعوِّضُ خسارتَه الكُبرى!
سألَ نفسَه: ما العِلّة ُفي هذا القلم؟ آه : سيلانُ الحبر بشكلٍ غيرِ منتظم!
كيفَ سأضبطُ تلكَ العمليّة ؟
لمعَت في ذهنِه خطّةٌ ذكيّةٌ، إنَّها خاصّيّةُ انسيابِ السّوائلِ في الأنابيبِ الضّيّقةِ إلى الأعلى وتُسمّى هذه الخاصّيّةُ بالخاصّيّةِ الشّعريّةِ، بحيثُ يكونُ للقلمِ شقٌّ بسُمكِ الشّعرةِ لسحبِ الحبرِ إلى ريشتِه، بشرطِ وجودِ مجرىً آخرَ يسمحُ للهواءِ بدخولِ مستودع الحبر؛ وبذلكَ يحافظُ على ضغطٍ متوازنٍ داخلَ القلمِ فلا يتسرَّبُ شيءٌ مِنَ الحبرِ، ومِنْ ذلكَ الحينِ عملَ ووترمان في صناعةِ الأقلام, وضربَ صفحاً عن عقودِ التّأمين!
وبعدَ فترةٍ من الزّمانِ قام َباركر البَريطانيُّ بتطوير قلم ووترمان الشّهيرِ, وذلكَ بإمدادِه بخرطوشةِ حبرٍ جاهزةٍ، بحيثُ يتمُّ استبدالُ الخرطوشةِ دونَ الحاجةِ إلى تعبئتِها، وفي مَطلَع ِ القرنِ العشرينَ اخترعَ باركر قلمَ حبرٍ جديدٍ يكفي أنْ تغمِسَه بالحبرِ فيمتصَّ مدادَه من المحبرةِ بشكلٍ معتدلٍ ولا يزيدُ، حتّى أصبحَ قلمُ باركر من أشهرِ الأقلامِ، في كافّةِ الأصقاعِ والبقاعِ.
ولا تظن أنَّ قلمَ الرّصاصِ الّذي بدأتَ الكتابةَ به في المدرسةِ قدْ سبقَ قلمَ الحبرِ؛ فقدْ بدأَ استعمالُه في القرنِ السّادسَ عشَر في بَريطانيا عندَما اكتُشِفَ أوّلُ منجمٍ للغرافيت عامَ 1564م وقد ابتكرَ شكلَه المعروفَ جاك كونته عام َ1792، وما زالَ مُستخدَماً حتّى يومنا هذا .
أمّا قلمُ الحبرِ الجافِّ فقدِ ابتكرَه عالِمٌ أمريكيٌّ في النّصفِ الثّاني من القرنِ التّاسعَ عشرَ وقدْ أنتجَته شركةُ ( وينولدز ) في شيكاغو, ويعتمد على فكرةٍ ميكانيكيّةٍ غايةٍ في البساطةِ، فرأسُه عبارةٌ عنْ كرةٍ صغيرة جدّاً تتحرّكُ في جميعِ الاتّجاهاتِ، ونتيجةً لحركتها ينسابُ الحبرُ الكثيفُ واللّزِجُ في سِنِّ القلم.
ولكنَّ حبرَه سرعانَ ما يسيلُ إذا امتزجَ بالماءِ إلى أنْ أتى ( فران سيخ ) المَجَرِيُّ عام 1949, واكتشف تركيباً سرّيّاً له فذاعَ صيتُه, ولمعَ اسمُه بعد ذلك الاختراعِ.
وهكذا تطوّرَت صناعة ُالأقلام وتعدّدَت أشكالُها وأنواعُها، إلى أنِ استغنى الإنسانُ في بعضِ الأحيانِ عنه بالطّباعة على الآلة الكاتبة أو الحاسب الآليِّ، ولكنْ.. هل يستطيعُ في يومٍ من الأيّامِ أنْ يستغنيَ عنه !
لا أظنُّ ذلكَ، وإنْ كنت ستفعلُ ذلكَ في يومٍ من الأيّامِ تذكَّرْ قولَه عليه الصّلاةُ والسّلامُ: ( مَنْ قلَّمَ قلماً يكتبُ به علماً أعطاه اللهُ شجرة ًفي الجنّةِ خيراً مِنَ الدّنيا وما فيها )
فقمْ أيُّها الفارسُ الصّغيرُ؛ لتغرسَ شجراتٍ في الجنّةِ، لعلّكَ تقطفُ ثمارَها وتفوزُ بعلمِ الدّنيا ورضوان الآخرة.  




 

 
 

 

الغلاف

آخر خبر
»

أسماك آلية لسبر أعماق البحار!

»

العثور على بلاطة أثرية تعود للعصر الحجري الحديث على ضفاف الفرات.

»

قريباً في الأسواق.. سيارات تعمل بالطاقة الكهربائية!!

»

شركة يابانية تقدم جهازاً يقيس الابتسامة المثالية!

»

ملابس تغير لونها بتغير حرارة الطفل

»

شجرة (Cassava) مصدر مستقبلي لإنتاج الوقود الحيوي للسيارات..

»

لأجل الأرض.. ساعة دون كهرباء..

»

سيّاراتٌ طائرة في هولندا

»

صخرة (البريدوتيت).. اكتشافٌ جديد

»

عالِم يرصد أقدم نجمة يمكن رؤيتها في تاريخ الكون

»

(أناكوندا).. جهاز جديد لتوليد الطّاقة من أمواج البحر..

»

مدريد تغرق في القراءة حتّى الفجر

»

كتابة على الحاسب دون استعمال الأصابع

»

اكتشاف جديد.. ملابس ضد الماء

»

جزيرةٌ صديقة للبيئة

»

كتاب إلكترونيّ ناطق بأكثر من لغة

»

رقم قياسيّ جديد في الطّيران

»

علماء استراليّون يكتشفون نملةً برمائيّة..

»

أكبرُ سجّادة ترابيّة في العالم

»

هواتف تهدف إلى الحفاظ على البيئة

»

يقطينة عملاقة

»

اقرأ هذه الأسطر عن الرمان

»

ورق أقوى من الصُّلب

»

شجرة عملاقة في أستراليا تستخدم للأغراض الطبية

»

اكتشاف حياة في أعمق الأعماق

»

حلقات كوكب زحل أقدم مما كان يُعتقد

»

الإنسان الآلي الجراح

»

أعلى وأكبر ساعة عالمياً في مكة المكرمة

»

علماء فضاء يكتشفون كوكباً جديداً

»

السيارة الذكية

»

اكتشاف لوحة فنية أثرية تعود للألف الحادي عشر قبل الميلاد

»

اكتشاف بقايا معركة وقعت في سورية قبل آلاف السنين

»

قشرة اليوسفي قد تشفي من السرطان

»

تغيرات عجيبة على سطح بلوتو

»

حملة لتنظيف قمّة (إفريست) من أطنان القمامة

»

أصغر عالم بالكون طفل فلسطيني من مخيم عين الحلوة

»

تحطّم النّمل

»

نوع من الأرز يُجنب الأطفال العمى!

»

المشروبات الغازية وأضرارها

»

أخطار النوم عندما يزيد على 9 ساعات

»

أغذية للتفوق الدراسي

»

الشّعرة السّحريّة

»

جهاز رياضة للأطفال عشاق ألعاب الكمبيوتر

»

متحف اللوفر

»

من نحن

رأيك يهمنا
بريدك
لتكون صديقاً دائماً أضف بريدك الإلكتروني